|
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ
t
قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ أَظْهَرَ إِسْلامَهُ سَبْعَةٌ:
رَسُولُ اللَّهِ
r،
وَأَبُو بَكْرٍ، وَعَمَّارٌ، وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ،
وَصُهَيْبٌ، وَبِلالٌ، وَالْمِقْدَادُ، فَأَمَّا رَسُولُ
اللَّهِ
r
فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَّا
أَبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِهِ، وَأَمَّا
سَائِرُهُمْ فَأَخَذَهُمْ الْمُشْرِكُونَ وَأَلْبَسُوهُمْ
أَدْرَاعَ الْحَدِيدِ، وَصَهَرُوهُمْ فِي الشَّمْسِ2.
وفي رواية للبيهقي: فمات ياسر (زوج سمية) من العذاب،
وأغلظت سمية لأبي جهل، فطعنها في قُبُلها، فماتت، ورُمي
عبد الله (ابن لسمية) فسَقَط.
وكان الرسول
r
يمر بهم، فيقول: ((صبرًا آل ياسر، فإن
موعدكم الجنة)).
امرأة وامرأة:
كما اختار الله
I
امرأة - هي خديجة رضي الله عنها - لتكون أول من آمن
بهذا الدين، وأول من يُبشَّر بالجنة، اختار أيضًا
I
امرأة أخرى لتكون أول من يدخل الجنة شهيدًا، فالجنة والسبق
إليها، لا يختصان بالرجال دون النساء، والجهاد بالنفس
والمال في دعوة الإسلام ليس حكرًا على الرجال دون النساء،
وتحمل الأذى والتعذيب والتخويف يقع في سبيل الله على
النساء، كما يقع على الرجال.
أسرة مُبَاركة:
الأب (ياسر) والأم (سمية) والابن (عمار) أسرة آمنت بالله
U،
وصدقت برسوله
r،
بكل عناصرها وأفرادها، لم يخش الأب على ابنه أن يتبع سبيل
المؤمنين، ولو كان في ذلك زهوق الروح، ولم تجزع الأم على
ولدها رغبة في السلامة من الأذى، بل كانت يدًا وعونًا له،
ودافعًا على الإصرار.
أُمٌّ وأُمٌّ:
وأين (أمُّ مصعب) من (أمِّ عمار)؟ حين علمت أم مصعب
بإسلامه واتباعه محمدًا
r،
ومفارقته دين الآباء والأجداد، بكت وانتحبت، وخشيت وجزعت
ونهت، واشتدت في النهي بالتجويع والحرمان.. وأمثالها اليوم
كثيرات.
وأما أم عمار، سمية -رضي الله عنها- فقد هشَّت
وبشَّت وأيَّدت، بل اندفعت في حماس وقوة، وتجاوزت ذلك إلى
إعطاء المثل الأعلى بنفسها.. شهيدة، فكانت النبراس
والقدوة.
ثبات لا يزعزعه عذاب:
وعُذِّب الجميع في الله الأب والأم والابن عذابًا لا
تتحمله الجبال، بين قيد ثقيل وغليظ، وجلد بالسياط اللاهبة،
التي تشق البدن، وضرب بالعصي الغلاظ، التي تكسِّر العظام،
وشواظ من أشعة شمس الصحراء، التي تحرق الجلود، فما هانوا،
وما لانوا، ولم يرضخوا لتهديد أو وعيد.
مَوْعِدُكُم الجنة:
وكان
r
يمر عليهم وهم يُعَذَّبون، فلا يملك إلا أن يُثَبِّتَهُم
ويُبَشِّرَهم بقوله: ((صبرًا آل ياسر، فإن
موعدكم الجنة))، إنه الإقرار من النبي
r
لسمية -رضي الله عنها- على مشاركتها بالجهاد بالنفس،
وموقفها الباسل في الدعوة، وفي ثباتها وتضحيتها، وعدم
تفوهها بكلمة الكفر.
ثبتت مع أسرتها، وضحوا، وماتوا جميعًا، الرجل ياسر،
والمرأة سمية، والابن عبد الله، إلا عمارًا، اضطر من قسوة
العذاب أن يتفوه بكلمة الكفر لفظًا، حتى ينجو من العذاب،
ولكن قلبه مطمئن بالإيمان.
بيت الشهداء الأول:
إن البيت كل البيت أمام دعوة الله تعالى أمره واحد، الرجال
والنساء والأولاد، ليكون دليلاً وأسوة لكل بيت مسلم في أمة
محمد، فبات بيت آل ياسر مثالاً للتضحية والشهادة في سبيل
الله، وحتى يصبح قدوة البيوت في المجتمع المسلم، وحتى يمكن
أن يطلق عليه - بيت الشهداء الأول- فكما أن الصف المسلم
فيه القدوات من الرجال والنساء والأبناء، فكذلك المجتمع
المسلم فيه القدوات من البيوت، فهنيئا لبيت آل ياسر ببشرى
رسول الله
r،
فكلهم شهداء، حتى عمار بن ياسر الذي بقي ونجى من موت
التعذيب، اتخذه الله شهيدًا في المعارك، بعد عُمْر مليء
بالعلم والعبادة والجهاد، وحتى لا يظن ظان أن الجهاد
والتضحية في سبيل الله قصرها الله على الرجال وحدهم، وحتى
يعلم الناس أن المجتمع الأول من السابقين في هذه الأمة
تأسس وأقيم بجهود وتضحيات الرجال والنساء معًا، وذلك
سُنَّة للأمة إلى يوم الدين، وحتى لا يظن أحد من الدعاة أن
الشهادة والتضحية حكر عليه دون زوجه وولده ووالديه، أو أن
من الحكمة تجنيب بيته وأهله مخاوف طريق الدعوة وتضحياته.
|