الفتاوى

E

ائتلاف المنظمات الاسلامية يشارك في الاجتمـاع الواحد والخمسين للجنة مركز المرأة بالأمم المتحدة بنيويورك ويلقي بيانه في الأيام الثلاثة القادمة - بيان من هيئة علماء الجمعية الشرعية عما ورد بتقرير الخبراء في الأمم المتحدةائتلاف المنظمات الإسلامية يعقد مؤتمرا صحفيا حول مشاركته في الاجتماع الواحد والخمسين للجنة مركز المرأة بالأمم المتحدة

من نحن

الصفحة الرئيسية

مؤتمرات

ميثاق الطفل

ميثاق الأسرة

الرؤى النقدية

أبحاث

الائتلاف

أنشطة اللجنة

بيانات اللجنة

دورات تدريبية

العفاف

إصداراتنا

مصطلحات

اللجنة في الإعلام

اللجنة في عام

ألبوم اللجنة

اتصل بنا

 

فتاوى الأسرة

حكم النظر بين الرجال والنساء

نريد أن نعرف ما الذي يجوز، وما الذي لا يجوز من نظر الرجل إلى المرأة ونظر المرأة إلى الرجل، وخصوصًا الشق الثاني من السؤال، وهو نظر المرأة إلى الرجل، فقد سمعنا من بعض الوعاظ أن المرأة لا يجوز أن تنظر إلى الرجل لا بشهوة ولا بغير شهوة واستدل لذلك بحديثين:

الأول: أن النبي r سأل ابنته فاطمة (رضى الله عنها): "أَيّ شَيءٍ أَصلحُ لِلْمرأةِ" ؟ قالت: ألاَّ ترى رجلاً ولا يراها رجل فقبَّلها وقال: "ذرِّية بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ".

والثاني: حديث أم سلمة أم المؤمنين رضى الله عنها، قالت: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّه r وعِنْدَهُ مَيمونهُ، فَأَقْبَلَ ابنُ أمُّ مكتُوم، وذلكَ بعْدَ أنْ أُمِرْنَا بِالحِجابِ فَقَالَ النبيُّ r: "احْتَجِبا مِنْهُ فَقُلْنَا: يا رَسُولَ اللَّهِ ألَيْس هُوَ أعْمَى: لا يُبْصِرُنَا، ولا يعْرِفُنَا ؟ فقَال النبيُّ r: "أفَعَمْياوَانِ أنْتُما ألَسْتُما تُبصِرانِهِ ؟"([1])

وكيف يمكن للمرأة ألا ترى رجلاً ولا يراها رجل، وخصوصًا في عصرنا هذا ؟ وما المراد بهذه الأحاديث إن كانت صحيحة ؟

يقول فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي:

خلق الله الأحياء كلها أزواجًا بل خلق الكون كله أزواجًا كما قال تعالى: }سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ{[يس:36]،وقال:}وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ{[الذاريات: 49].

وعلى هذه السنة الكونية العامة كان خلق الإنسان من زوجين: ذكر وأنثى، حتى يمكن أن تستمر الحياة الإنسانية وتنمو وتكتمل، وجعل في كل جنس منهما قابلية الانجذاب إلى الجنس الآخر، فطرة الله التي فطر الناس عليها.

ومنذ خلق الله آدم خلق له ومنه زوجًا ليسكن إليها، ويأنس بها، وتأنس به، فإنه بحكم فطرته لا يستطيع أن يسعد وحده، وإن كان في الجنة يأكل منها رغدًا حيث شاء، وكان أول تكليف إلهي موجهًا إلى الاثنين معًا آدم وزوجه:} وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ{[البقرة:35].

فعاشا في الجنة معًا، وأكلا من الشجرة المنهي عنها معًا، وتابا إلى الله معًا، ونزلا إلى الأرض معًا، وتوجهت إليهما التكاليف الإلهية معا: }قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى{[طه: 123].

واستمرت الحياة بعد ذلك لا يستغنى الرجال عن النساء، ولا يستغنى النساء عن الرجال }بَعْضُكُم مِّنْ بَعْض{[آل عمران: 195] فأعباء الدين والدنيا مشتركة بينهما.

ولهذا لا يتصور أن يعيش الرجل وحده بعيدًا عن المرأة لا يراها ولا تراه، إلا إذا خرج عن سواء الفطرة، واعتزل الحياة، كما فعلت الرهبانية التي ابتدعها النصارى، وقسوا فيها على أنفسهم قسوة لا تقرها فطرة سليمة ولا شريعة قويمة، حتى إنهم كانوا يهربون من ظل المرأة، ولو كانت محرمًا، أُمًّا أو أختًا، ولهذا حرموا على أنفسهم الزواج، واعتبروا الحياة المثالية للمؤمن هي التي لا يتصل فيها بامرأة، ولا تتصل به امرأة على أي وجه من الوجوه.

ولا يتصور كذلك أن تعيش المرأة وحدها في عزلة تامة عن الرجال، فالحياة قائمة على تعاون الجنسين في أمور المعاش والمعاد: }والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض{[التوبة: 71].

وقد ذكرنا في موضع آخر أن القرآن جعل إمساك المرأة في البيت بحيث لا تخرج منه، عقوبة للمرأة التي ترتكب الفاحشة علانية حتى يشهد عليها أربعة من الرجال المسلمين، وذلك قبل استقرار التشريع، وإيجاب الحدود المعلومة، قال تعالى: } وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فإن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا{ [النساء: 15].

كما أن هنا حقيقة أخرى يجب أن تذكر إلى جوار حاجة كل من الرجل والمرأة إلى الآخر وهي أن الله سبحانه غرس في فطرة كل واحد من الجنسين قابلية الانجذاب إلى الجنس الآخر ، والميل إليه ميلاً شهويًا غريزيًا، بسببه يحدث اللقاء والانجاب وبقاء النوع، وعمران الأرض.

فلا يجوز أن ننسى هذه الحقيقة، حين نتحدث عن علاقة الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل، ولا يقبل من بعض الناس أن يدعوا لأنفسهم أنهم أكبر من أن تؤثر فيهم الشهوات أو تستثار فيهم الغرائز، أو يضحك عليهم الشيطان.

وفي ضوء هذه المسلمات يجب أن ننظر في قضية نظر الرجل إلى المرأة، ونظر المرأة إلى الرجل.

نظر الرجل إلى المرأة:

أما الشق الأول فقد تحدثنا عنه في الفتوى الخاص بوجوب النقاب أو عدمه ([2])، ورجحنا قول الجمهور الذين فسروا قوله تعالى: }وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا {[النور: 31] بأن ما ظهر من الزينة هو الوجه والكفين وأن للمرأة أن تبدي وجهها وكفيها - بل وقدميها عند أبي حنيفة والمزني - وإذا كان للمرأة أن تبدي هذا منها، فهل يجوز النظر إليه أم لا ؟ أما النظرة الأولى فلا مفر منها بحكم الضرورة، وأما النظرة الآخرة فهي التي اختلفوا فيها.

والممنوع بلا شك هو النظر بتلذذ وشهوة، فهذا هو باب الخطر وموقد الشرر، ولهذا قيل: النظرة بريد الزنى، والله در شوقي حين قال:

نظرة، فابتسامة فسلام           فكلام، فموعد فلقاء

كما أن النظر إلى غير الزينة الظاهرة، كالشعر والنحر والظهر والساقين والذراعين ونحوها، لا يجوز لغير محرم بالإجماع.

وهناك قاعدتان تحكمان هذا الأمر وما يتعلق به:

الأولى: أن الممنوع يباح عند الضرورة أو الحاجة، مثل الحاجة إلى التداوي والعلاج، والولادة ونحوها، والتحقيق في القضايا الجنائية، وأشباه ذلك، مما تدعو إليه الحاجة، وتحتمه الضرورة الفردية أو الاجتماعية.

والثانية: أن المباح يمنع عند خوف الفتنة، سواء كان الخوف على الرجل، أو على المرأة، وهذا إذا قامت دلائل بينة على ذلك، لا مجرد هواجس وتخيلات عند بعض المتخوفين والمتشككين في كل أحد، وفي كل شيء.

ولهذا لوى النبي r عنق ابن عمه الفضل بن العباس، وحول وجهه عن النظر إلى المرأة الخثعمية في الحج حين رآه يطيل النظر إليها، وجاء في بعض الروايات أن العباس سأله : لماذا لويت عنق ابن عمك ؟ قال: "رأيْتُ شابًا وشابَّةً، فلمْ آمَنْ الشيطانَ عليهِمَا".([3])

والمرجع في خوف الفتنة هو ضمير المسلم وقلبه، الذي يجب أن يفتيه في هذه المسائل، وعليه أن يستمع إليه، وإن أفتاه الناس وأفتوه، وذلك إذا كان قلبًا سليمًا لم تلوثه الشهوات، ولم تفسده الشبهات، ولم تعشش فيه الأفكار المنحرفة.

نظرة المرأة إلى الرجل :

وأما الشق الثاني من السؤال، هو ما يتعلق بنظر المرأة إلى الرجل، فمن المتفق عليه : النظر إلى العورة حرام، بشهوة أم بغير شهوة، إلا إن وقع ذلك فجأة بغير قصد ولا تعمد، وهو ما جاء فيه الحديث الصحيح الذي رواه جرير بن عبد الله، سألت النبي r عن نظر الفجأة فقال : "اصْرِفْ بَصَرَكَ".([4])

ولكن يبقى البحث هنا عن عورة الرجل ما هي ؟

فالسوءتان عورة مغلظة متفق على تحريم كشفها أو النظر إليها، إلا في حالة الضرورة كالعلاج ونحوه، وحتى لو كانت مغطاة بما يجسمها ويبرزها أو يشف عنها، فهو محظور شرعًا.

وأكثر الفقهاء على أن الفخذين من العورة، وأن عورة الرجل ما بين السرة والركبة، وقد استدلوا على ذلك ببعض الأحاديث التي لم تسلم من التعليل، وبعضهم حسنها وربما صححها بمجموع طرقها، وإن كان كل واحد منها في ذاته يقصر عن الاحتجاج به على إفادة حكم شرعي.

وذهب بعض الفقهاء إلى أن الفخذ ليس بعورة، مستدلين بحديث أنس أن الرسولr حسر عن فخذه في بعض المواضع([5])، ونصر هذا المذهب أبو محمد بن حزم.

ومذهب المالكية المنصوص عليه في كتبهم أن العورة المغلظة من الرجل هي السوءتان فقط أي القبل والدبر، وهي التي تبطل الصلاة بكشفها أبدًا مع القدرة.

وحاول فقهاء الحديث الجمع بين الروايات المتعارضة إن أمكن ذلك أو الترجيح بينها، فقال الإمام البخاري في صحيحه:[باب ما يذكر في الفخذ: وروى عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش عن النبي r : أن الفخذ عورة، وقال أنس: "حسر النبي r عن فخذه" وحديث أنس أسند أي أقوى سندًا وحديث جرهد أحوط].([6])

واتجه الشوكاني في "نيل الأوطار" إلى توجيه الأحاديث التي ذكرت أن الفخذ عورة على أنها حكاية حال لا عموم لها.

أما المحقق ابن القيم فقال في "تهذيب سنن أبي داود": (وطريق الجمع بين هذه الأحاديث ما ذكره غير واحد من أصحاب أحمد وغيرهم: أن العورة عورتان: مخففة ومغلظة، فالمغلظة السوءتان، والمخففة الفخذان، ولا تنافي بين الأمر بغض البصر عن الفخذين لكونهما عورة وبين كشفهما لكونهما عورة مخففة، والله اعلم).

وينبغي التنبيه هنا، أن ما كان عورة من الرجل، فالنظر إليه حرام من المرأة والرجل جميعًا وهذا أمر واضح.

وأما ما لم يكن عورة من الرجل، كالنظر إلى وجهه وشعره وذراعيه وساقيه وما إلى ذلك، فالقول الصحيح أنه جائز، ما لم يصحب ذلك شهوة، أو خوف فتنة، وهذا هو رأي جمهور فقهاء الأمة، وهو الذي دل عليه عمل المسلمين منذ عصر النبوة، وما بعده من خير القرون، ودلت عليه أحاديث صحيحة صريحة لا تقبل طعنًا.

وذهب بعض الفقهاء إلى منع المرأة من رؤية الرجال عامة، مستدلين بما جاء في السؤال.

أما حديث فاطمة رضي الله عنها، فلا قيمة له من الناحية العلمية، ولم أره في كتاب من كتب أدلة الأحكام، ولا استدل به فقيه من الفقهاء، حتى المتشددون الذين منعوا المرأة من النظر إلى الرجل لم يذكروه، وإنما ذكره الإمام الغزالي في "الإحياء"، وقال الحافظ العراقي في تخريجه: (رواه البزار والدار قطني في الأفراد من حديث على بسند ضعيف).([7])

وأما الحديث الآخر، فنجد الرد عليه فيما ذكره ابن قدامة في تلخيص الرأي في المسألة، حيث قال في "المغني" فأوجز وأحسن: فأما نظر المرأة إلى الرجل ففيه روايتان:

إحداهما: لها النظر إلى ما ليس بعورة.

والأخرى: لا يجوز لها النظر من الرجل إلا إلى مثل ما ينظر إليه منها، اختاره أبو بكر، وهذا أحد قولي الشافعي، لما روى الزهري عن نبهان عن أم سلمة قالت: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّه r وعِنْدَهُ مَيمونهُ، فَأَقْبَلَ ابنُ أمُّ مكتُوم، وذلكَ بعْدَ أنْ أُمِرْنَا بِالحِجابِ فَقَالَ النبيُّ r: "احْتَجِبا مِنْهُ فَقُلْنَا: يا رَسُولَ اللَّهِ ألَيْس هُوَ أعْمَى: لا يُبْصِرُنَا، ولا يعْرِفُنَا ؟ فقَال النبيُّ r: "أفَعَمْياوَانِ أنْتُما ألَسْتُما تُبصِرانِهِ ؟"([8])

ولأن الله تعالى أمر النساء بغض أبصارهن كما أمر الرجال به.

ولأن النساء أحد نوعي الآدميين فحرم عليهن النظر إلى النوع الآخر قياسًا على الرجال، يحققه أن المعنى المحرم للنظر خوف الفتنة، وهذا في المرأة أبلغ، فإنها أشد شهوة وأقل عقلاً، فتسارع الفتنة إليها أكثر.

ولنا قول النبي r لفاطمة بنت قيس : "اعْتَدِّي فِي بيتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتومٍ، فإِنَّهُ رجُلٌ أَعْمَى تَضَعِيْنَ ثِيَابَكِ، فَلا يَرَاكِ"([9])، وفي رواية: "فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْكِ خِمَارَكِ، أو يَنْكَشِفَ الثَّوْبُ عَنْ سَاقَيْكِ، فَيَرَى الْقَوْمُ مِنْكِ بَعْضَ مَا تَكْرَهِينَ"([10])، ومعنى هذا أنه أراد الرفق بها والتيسير عليها، فلا تظل طوال اليوم ملتزمة بالثياب الساترة للجسم كله إذا بقيت عند أم شريك كثيرة الضيفان .. أما ابن أم مكتوم فإنه لا يراها، فيمكنها بعض التخفف.

وقالت عائشة : كان رسول الله يسترني برداءه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد.([11])

ويوم فرغ النبي r من خطبة العيد مضى إلى النساء فذكرهن ومعه بلال، فأمرهن بالصدقة، ولأنهن لو منعن النظر لوجب على الرجال الحجاب، كما وجب على النساء لئلا ينظرن إليهم .

فأما حديث نبهان، فقال أحمد: نبهان روى حديثين عجيبين، يعنى هذا الحديث، وحديث: "إِذَا كَانَتْ لإِحْداكُنَّ مُكَاتَبٌ فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ"([12])وكأنه أشار إلى ضعف حديثه، إذ لم يَرْوِ إلا هذين الحديثين المخالفين للأصول.

وقال ابن عبد البر: نبهان مجهول، لا يعرف إلا برواية الزهري عنه هذا الحديث، وحديث فاطمة صحيح، فالحجة به لازمة، ثم يحتمل أن حديث نبهان خاص لأزواج النبي r كذلك قال أحمد وأبو داود.

قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله:كأن حديث نبهان لأزواج النبي r خاصة، وحديث فاطمة لسائر الناس ؟ قال: نعم.

وقال أبو داود بعد رواية الحديث: وهذه لأزواج النبي r خاصة ألا ترى إلى اعتداد فاطمة بنت قيس عند ابن أم مكتوم([13])، وإن قدر التعارض فتقديم الأحاديث الصحيحة أولى من الأخذ بحديث مفرد في إسناده مقال.([14])

بقي هنا قيد مفروغ منه، وهو ما ذكرناه في نظر الرجل إلى المرأة، وأعني به ألا يكون مصحوبًا بالتلذذ والشهوة، وإلا حرم، ولهذا أمر الله المؤمنات أن يغضضن من أبصارهن، كما أمر المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم سواء، قال تعالى: }قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ{ [النور: 30-31].

صحيح أن المرأة تثير الرجل وتحرك شهوته، أكثر مما يثير الرجل المرأة، وأن المرأة أكثر جاذبية للرجل، وهي المطلوبة غالبًا والرجل هو الطالب، ولكن هذا كله لا يمنع أن من الرجال من يجذب عين المرأة وقلبها بشبابه ووسامته، أو بقوته وفحولته، أو بغير ذلك من المعاني التي ترنو إليها أعين بعض النساء أو تهفوا إليها قلوبهن.

وقد قص علينا القرآن الكريم قصة امرأة العزيز مع يوسف، الذي شغفها حبًا وكيف غدت هي الطالبة لا المطلوبة، وكيف راودته عن نفسه وقالت: }هَيْتَ لَكَ قال معاذ الله{ [يوسف:23].

كما قص علينا موقف نسوة المدينة حينما رأين يوسف لأول مرة بما آتاه الله من شباب وحسن نضارة وقوة: }فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ{ [يوسف: 31-32].

فإذا نظرت المرأة إلى رجل معين، فتحركت فيها عوامل الأنوثة، فعليها أن تغض بصرها، ولا تتابع النظر إليها، بُعْدًا عن مظنة الفتنة، ويزداد الأمر خطرًا إذا بادلها الرجل النظر بنفس الرغبة والشهوة، فهذا هو النظر الذي سموه  "بريد الزنى" والذي وصف بأنه "سهم مسموم من سهام إبليس".([15])

ومما ذكرنا يتبين أن نظر المرأة إلى ما ليس بعورة من الرجل - أي ما فوق السرة وتحت الركبة - مباح ما لم تصحبه شهوة أو تخف منه فتنة وقد أذن الرسول r لعائشة أن تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم في المسجد النبوي، وظلت تنظر إليهم حتى سئمت هي فانصرفت([16]).

ومثل هذا نظر الرجل إلى ما ليس بعورة من المرأة - أي إلى وجهها وكفيها - فهو مباح ما لم تصحبه شهوة أو تخف منه فتنة.

فعن عائشة أن أسماء بنت أبي بكر - دخلت على النبي r في لباس رقيق يشف عن جسمها، فأعرض النبيr  عنها وقال : "يا أسماء: إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا".وأشار إلى وجهه وكفيه([17])، وفي الحديث ضعف ولكن تقويه أحاديث صحاح في إباحة رؤية الوجه والكفين عند أمن الفتنة.

وخلاصة القول: أن النظرة البريئة إلى غير عورة من الرجل أو المرأة حلال ما لم تتخذ صفة التكرار والتحديق الذي يصحبه - غالبًا - التلذذ وخوف أمن الفتنة .

ومن سماحة الإسلام أنه عفا عن النظرة الخاطفة التي تقع من الإنسان فجأة حين يرى ما لا يُتاح له رؤيته، فعن جرير بن عبد الله قال: سألت رسول الله r عن نظر الفجأة فقال: "اصرف بصرك" ([18]) يعني: لا تعاود النظر مرة ثانية.([19])

أما النظر إلى الجنس الآخر بشهوة - وإطالة النظر - فهو مما حرمه الإسلام فإن العين مفتاح القلب والنظر رسول الفتنة وبريد الزنى.

لهذا وجه الله أمره إلى المؤمنين جميعًا بالغض من الأبصار، مقترنًا بأمره بحفظ الفروج: }قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ.وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{[النور:30-31]

وفي هاتين الآيتين عدة توجيهات إلهية، منها توجيهان يشترك فيهما الرجال والنساء جمعيًا وهما الغض من البصر وحفظ الفرج والباقي موجه إلى النساء خاصة.

ويلاحظ أن الآيتين أمرتا بالغض من البصر لا بغض البصر، ولم تقل: "ويحفظوا من فروجهن" كما قالت: }يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ{ فإن الفرج مأمور بحفظه جملة دون تسامح في شيء منه، أما البصر فقد سمح الله للناس بشيء منه رفعًا للحرج ورعاية للمصلحة كما سنرى.

فالغض من البصر ليس معناه إقفال العين عن النظر ،ولا إطراق الرأس إلى الأرض، فليس هذا بمراد ولا مستطاع، كما أن الغض من الصوت في قوله تعالى: }وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ{[لقمان: 19] ليس معناه إغلاق الشفتين عن الكلام، وإنما بمعنى الغض من البصر خفضه، وعدم إرساله طليق العنان يلتهم الغاديات والرائحات أو الغادين والرائحين، فإذا نظر إلى الجنس الآخر لم يغلغل النظر إلى محاسنه، ولم يطل الالتفات إليه والتحديق فيه. ولهذا قال الرسولr  لعلي بن أبي طالب: "يَا عَلِيّ لا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّمَا لَكَ الأُوْلَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَة"([20])، وقد جعل النبي r النظرات الجائعة الشرهة من أحد الجنسين إلى الآخر زنا العين، فقال : " الْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ "([21]) وإنما سماه "زنى" لأنه ضرب من التلذذ والإشباع للغريزة الجنسية بغير الطريق المشروع.

ويطابق هذا ما جاء في الإنجيل عن المسيح عليه السلام: "لقد كان من قبلكم يقولون لا تزن، وأنا أقول لكم: من نظر بعينه فقد زنى".

إن هذا النظر المتلذذ الجائع ليس خطرًا على خلق العفاف فحسب، بل هو خطر على استقرار الفكر، وطمأنينة القلب الذي يصاب بالشرور والاضطرابات.([22])