|
أيام معدودة وتنتهي امتحانات نهارية الفصل الدراسي الأول لمعظم المراحل التعليمية –
عدا الثانوية العامة – وتبدأ حالة من (الانفكاك) والرغبة في الانطلاق والاستجمام
وأحيانا استعادة هدوء الأعصاب وطلب الراحة بعيدا عن التوتر والقلق والضغط النفسي
والعصبي الناجم عن جو الامتحانات الذي يحمل سمت (المعاناة) ويلقى بثقله على الطلبة
وأولياء الأمور معاً.
وكما تقلبات الطقس الحادة والمتناقضة أحياناً؛ تشيع في بيوتنا موجات من التغيرات
والتطورات تبدأ مع نهاية اليوم الأخير للامتحانات وقذف كتب النصف الأول من العام في
سلة المهملات , فترى الأبناء يتسكعون في الشوارع وأمام محال العصير والسندوتشات
والملاهي أو النوادي ، وقلة منهم يتبادلون الزيارات الفردية والأسرية.. ويشترك الكل –
إلا ما رحم ربي – في تقليب قنوات التلفاز ومواقع النت أو ألعاب الكمبيوتر لساعات
طويلة قد تمتد لتتجاوز أوقات النوم وتقارب الفجر ، ويأتيك الجواب إذا أديت اعتراضا أو
امتعاضا. نحن في أجازة ! أما إذا استرقت السمع إلى أحاديث الأولاد مع بعضهم تجد
العبارات الدارجة والمألوفة تطعم مقاطع الكلام : لقد اختنقنا (يعني خنقنا).. زهقنا
(من فعل أزهق ، يزهق).. هانطق (من فعل طق، يطق بمعنى انفجر..) وكلها من مرادفات الموت
والخراب والهلاك !.
وعلى الجانب الآخر نرى الآباء والأمهات في حالة التقاط الأنفاس بعد انتهاء الامتحانات
وقد انتفت مبررات (الزعيق) وشد الأعصاب ، واختفت عبارات (مصلحتك ، سمعتك ، مستقبلك)
من التداول اليومي، وتوقف ولا شعار آخر نزيف الجيوب ذا الاتجاه الواحد – من ميزانية
الأسرة إلى حساب المدرسين – ويتم إخلاء حجرات الطعام ومناضد السفرة من (الانشغالات)
المرتبطة بالعملية التعليمية لتجتمع الأسرة - على أحسن الظن - على طعام واحد في
الوجبات المعتادة !، أو لتشهد تلك الأثاثات بعض الإصلاحات ومعالجة التلفيات نتيجة
طبيعية لتعاقب الدروس. وفي حالة عدم حصول الأبناء على التفوق المنشود ترن في أذنيك
العبارات الساقطة : موت وخراب ديار !.
نستقبل أجازة نصف السنة بمفردات الموت والخراب والتسخط تتجول بحرية عرجاء في بيوتنا ؛
ذلك لأن السياسة التعليمية في بلادنا نجحت إلى حد تُحسد عليه في وأَدْ حب العلم
والطموح العلمي في نفوس صغارنا ، وقتل الإبداع والمهارات العقلية والفكرية وحتى
الجسمية والاجتماعية الكامنة والظاهرة لدى أولادنا. بل وتفوقت بشكل لا نظير له – حتى
في البلدان والأمم البدائية – على ربط فلذات أكبادنا بحالة (الاستنقاع) في البلادة
الذهنية والضحالة الفكرية والهشاشة الثقافية، وذلك إلى حد إلقامهم ثقافة اللامبالاة
والجري وراء المنفعة الظاهرة والمصلحة الخاصة والمظاهر الكاذبة والأهواء الشخصية كما
نجمت تلك السياسات في (تدوير) أبجديات التربية داخل بيوتنا لتتماشى مع توجهاتها
ومساراتها الكاسحة. ولم يعد أمام الأبناء والمربيين إلا (النفق) المحشو بالسلبية
والعبثية والوقتية وانعكاساته على سلم أولويات تربية الأولاد في جوانب الإيمانية
والأخلاقية والعقلية والجسمية والجنسية والاجتماعية والجمالية والاقتصادية وغيرها..
وعندما تخرج الأسر من زحمة الامتحانات إلى فسحة الإجازات – على سبيل المثال – تجدها
تتلفت بحثا عن إجابة شاردة لسؤال حاضر. كيف نستثمر هذه الأجازة ؟ ويتنازعوا سؤال أكثر
جرأة : وهل نعرف حقا كيف نستثمر أوقاتنا وأعمار أولادنا وطاقتهم في الأوقات الأخرى
حتى نستكمل في الأجازات ؟!.
بعيداً عن التشاؤم والإحباط واليأس التي هي من ألزم صفات من يكفر بأنعم الله ؛ يجب
ألا يحول واقعنا بين ما يجب أن نفعل وبين ما هو محيط بنا ويكاد يلازمنا كظلنا..
أن ندرك مدى الضبابية التي تلف تفكيرنا وتشل إرادتنا وتعطل ملكات الإبداع لدينا
كمربيين ومسؤولين أمام الله تعالى عن أولادنا ؛ هذا الإدراك خطوة أولى تُـحسب في بند
(الإيجابية) ، تعقبه خطوة المحاولة لكسر الشرنقة التي تكبل انطلاقنا وتثبط من همتنا..
وتتسع الخطوات لتواكب السؤال (الحائر) : إلى متى هذا السكون، أما من خطوة جادة تبعث
الأمل وتوقظ الهمم ؟!.
تخطيط بسيط وحسب إمكانية وظروف كل أسرة نستطيع أن نصل بأولادنا إلى أهداف تكسبهم أو
تجدد فيهم ما نتمنى أن يتحقق فيهم من آمال مرجوة ورغائب سامية وتخرجهم من حالة (اللهات)
اللا منطقية إلى وضع من التوازن النفسي يعيد الثقة إلى نفوسهم الغضة وعالمهم البريء
والواعد إن شاء الله..
قبل أن نمسك بالقلم لنخطط أجازة طيبة مثمرة ، يجب أن نتحلى – نحن الآباء والأمهات –
بالقناعة التامة إن أولادنا أمانة بين أيدينا ، ومن حقهم علينا أن نحسن أدبهم
وتعليمهم وعشرتهم... ومن حسن التأديب أن نخفف عنهم ضغوط الحياة ولا نرهق كاهلهم بما
هو فوق طاقتهم وقدرتهم واستعداداتهم النفسية والعقلية والصحية أيضاً ؛ وأن نترفق بهم
دائما لأن في الرفق والحوار والتفاهم ما يقوي الثقة بذاتهم وينمي وينضج الإحساس
بالمسئولية بشكل طبيعي لديهم ، وهذا يستدعي المزيد من الصبر وسعة الصدر والبعد عن
الضيق بهم والتذمر والتقريع والتوبيخ أو اللجوء إلى أساليب العقاب المتنوعة فيهم لأنه
ثبت علميا أن تلك الأساليب والوسائل تزيد الفجوة بين المربي والطفل وتميل بالأولاد
إلى الجنوح والعدوانية والسلبية والهروب النفسي أو الاجتماعي ، والخاسر هو الطفل
والأسرة والمجتمع والأمة بأثرها!
نريد أن نعطي أولادنا مساحات ومساحات لتنمو فيها شخصيتهم بشكل سوي ، ولتكون مناسبات
كأجازة نصف السنة من تلك المساحات التي تعينهم على تجديد النشاط واكتساب أو تثبيت
القيم والمهارات والسلوكيات التي ننشدها جميعا ؛ خاصة في الجوانب الرئيسية في تكوين
الشخصية الصالحة النافعة... الصالحة في ذاتها ، والنافعة لغيرها..
ومن أهم تلك الجوانب :
الجانب الإيماني:
تفقد الصلاة على وقتها وحضورها في المساجد بالنسبة للصبيان – تخصيص وقت لمراجعة ما تم
حفظه من القرآن أو لحفظ سورة جديدة – مراجعة جوانب من السيرة وتراجم الصحابة إن أمكن
/ التعرف على أكثر من صفة أو اسم من أسماء الله الحسنى / حسب عمر كل طفل وفهمه..
- الجانب الأخلاقي : تحديد سمة أو أكثر يتم تدارسها والتأكيد عليها والإثابة على
التحلي بها (مثل الصدق / الأمانة / غض البصر / عفة اللسان.) التنبيه على صفة يجب
التخلي عنها والتنفير عنها (الشجار ، الإكثار من الحلف بالله ، التنابذ بالألقاب ،
الإسراف..).
الجانب العقلي:
شراء أو قراءة بعض القصص الهادفة والكتب المفيدة / مشاهدة منتقاة لبعض البرامج في
التلفاز ومتابعة الأخبار / تخصيص وقت للنت والكمبيوتر بإشراف الأسرة ولا يزيد عن
ساعتين في اليوم / حضور بعض دروس العلم أو الدورات الثقافية في المساجد والمراكز إن
أمكن / عقد جلسات سمر دافئة كل يوم تقوي فيها أواحد الأسرة..
الجانب الجسمي:
إجراء فحوصات طبية إذا لزم الأمر والتداوي بدون تكاسل / الاهتمام بالتغذية السليمة
والبعد عن الوجبات الجاهزة والأطعمة المحفوظة / الحض على ممارسة الرياضة في النوادي
العائلية أو صالات رياضية مؤتمن جانبها أو الحدائق والساحات المناسبة / التنزه
بالحدائق العامة والخاصة وبألعاب الأطفال ويستحسن أن تكون بصورة يومية إن أمكن /
السفر إلى مناطق ريفية أو مشاتي ذات طبيعة أسرية يغلب عليها الاحتشام ومراعاة القيم
التي نفتقدها في القرى السياحية !.
الجانب الجنسي:
التأكيد على تجنيب أولادنا الأماكن والأسواق (والمولات) التي تعج بصور الاختلاط
الشائنة أو التي تعرض (الأفيشات) السينمائية الفجة (وفاترينات) الملابس الخليعة
والإعلانات المثيرة.. / استغلال طاقة شبابنا وأولادنا في العمل المنزلي وبعض
الإصلاحات وقضاء المصالح الأسرية والاجتماعية إن أمكن.
الجانب الاجتماعي:
تنظيم جدول التزاور والتآخي بين الأرحام والجيران والمعارف مع تقييد الاختلاط ما أمكن
/ إعلاء من قيمة ثقافة التطوع وفعل الخير في المؤسسات والجمعيات ذات الصبغة الخيرية /
الالتحاق بورش العمل المتاحة حسب إمكانية كل طفل وأسرة ، والبعد عن العطالة والتسكع
وقتل الوقت وإهدار المال فيما لا ينفع /...
الجانب الجمالي:
تنمية الإحساس بالنواحي الجمالية في داخل كل طفل ، البيت ، المجتمع وأهمية المحافظة
عليها والاستمتاع بتلك النعم كما أمرنا الله بعيدا عن الانتقاص منها أو إهمالها أو
الإساءة إليها.
الجانب الاقتصادي:
وهي معاناة معظم البيوت لأن سقف الطموح والرغبات والطلبات لدى الأولاد يفوق في معظم
الأحيان القدرات الفعلية المادية للآباء.. وبين الشد والجذب تنتاب الأطفال مشاعر
الرغبة والإحباط وعدم الإحساس بالمتاعب التي يواجهها الآباء للحصول على المادة ، مع
تراكم الأحاسيس الأنانية وشهوة مجاراة الأقران أو تقليد ما تبثه وسائل الإعلام من
إعلانات ودعايات وما شابه. وهذا يتطلب المزيد من الحكمة في التعامل مع الأولاد بعيداً
عن الحرمان أو الضعف أمام إلحاحه وطلباته التي لا تنتهي.
هي جوانب أساسية نفتقدها في أجازة مثل أجازة نصف السنة ، نروح فيها عن أولادنا بشكل
مبهج، ونبعدهم قدر الإمكان عن سلوكيات ضارة مثل السهر واللهو والتسمر أمام شاشات
التلفاز والكمبيوتر أو اللغو على سماعة الهاتف أو المحمول ، أو التسكع في (المولات)
والشوارع بدون هدف وعلى غير هدى. والأهم من كل هذا أن نزيدهم قربا منا ونحتضنهم ونربت
على أحلامهم ونتشارك معًا في الاضطلاع بالمسئولية التي أناطها الله سبحانه وتعالى
بعباده جميعا "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون". لعل الله يكرمنا بهم
ويحشرنا وإياهم في زمرة أقوام يحبهم الله ويحبونه! |