اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة سيداو CEDAW رؤية نقدية .. من منظور شرعي

 

ملفات ساخنة

 

مهندسة كاميليا حلمي تكتب: هل جائزة نوبل للسلام مدعاة للفخر والشرف؟؟

 

المنظمات النسوية ودور رأس الحربة

 

بـ فرمان دولي... الرضيع والمراهق والشاب كلهم أطفال

 

المجتمعات العربية من بكين إلى بكين +15

  • قرأت لك

  • رسالة دكتوراه تحذر من مخطط لتمزيق الأسرة المسلمة المزيد
    نماذج قدوة : الدكتورة فاطمة عمر نصيف المزيد
    ماذا حدث في مؤتمر ( بكين + 15 ) ؟! المزيد

     

     

     

     
     

    الرؤى النقدية

     

    اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة سيداو CEDAW رؤية نقدية .. من منظور شرعي

    مقدمة

    الفصل الأول: تقويم عام لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة..

    الفصل الثاني: تقييم تفصيلي لاتفاقية القضاء على جميع أشكـال التمييز ضـد المرأة

    الفصل الثالث: رؤية نقدية للبروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية سيداو

    الفصل الرابع: ملاحق البحث

    ملحق (1): في الخصوصية الحضارية للمصطلحات

    ملحق (2): البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية سيداو

    ملحق (3): قرار مجلس الإفتاء والبحوث والدراسات الإسلامية بالأردن حول المادة (15) و(16) من اتفاقية سيداو

     

    إعداد لجنة الصياغة المنبثقة عن الاجتماع العام لمناقشة الاتفاقية

    أ.د. جمال الدين عطية

    أ.د. محمد كمال الديـن إمام

    أ.د. سعاد صـالح

    د. فتحي لاشين

    الشيخ/ جمال قطب

    مقرر لجنة الصياغة

    د. عمرو عبد الكريم سعداوي  - باحث في العلوم السياسية

    السادة العلماء الذين شاركوا في مناقشة الاتفاقية ووضع الملاحظات على الرؤية النقدية (*):

    أ.د. إبراهيم الخولي

    أستاذ متفرغ بجامعة الأزهر الشريف.

    أ.د. أحمد العسال

    نائب رئيس الجامعة الإسلامية العالمية- إسلام أباد- باكستان.

    أ.د. إسماعيل الدفتار

    أستاذ علم الحديث بكلية أصول الدين- جامعة الأزهر الشريف.

    أ.د. جمال الدين عطية

    مستشار مجمع الفقه الإسلامي بجدة، ومدير مشروع معلمة القواعد الفقهية- المملكة العربية السعودية.

    الشيخ/ جمال قطب

    مدير عام الإعلام الديني بالأزهر الشريف.

    أ.د. سعاد صالح

    رئيس قسم الفقه المقارن بجامعة الأزهر.

    أ.د. سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل

    أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية- جامعة القاهرة.

    أ.د. عبد الفتاح بركة

    الأمين العام الأسبق لمجمع البحوث الإسلامية- جمهورية مصر العربية.

    أ.د. عبد الودود شلبي

    مسئول الإعلام الأسبق بالأزهر الشريف.

    د. فاطمة عبد الستار قطب

    مدرس علم الاجتماع بكلية الدراسات الإنسانية- جامعة الأزهر الشريف.

    أ.د. فاطمة عمر نصيف

    أستاذ مشارك- متقاعد- بقسم الدراسات الإسلامية- جامعة الملك عبد العزيز بجدة، ورئيس اللجنة النسائية للإعجاز العلمي بجدة- المملكة العربية السعودية.

    د. فتحي لاشين

    المستشار بوزارة العدل- جمهورية مصر العربية.

    أ.د. محمد أحمد المسير

    أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين- جامعة الأزهر الشريف.

    أ.د. محمد رأفت عثمان

    عميد كلية الشريعة والقانون- جامعة الأزهر الشريف.

    د. محمد عمارة

    مفكر إسلامي وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف.

    أ.د. محمد كمال الدين إمام

    أستاذ القانون المقارن بكلية الحقوق- جامعة الإسكندرية- جمهورية مصر العربية.

    أ.د. محمود علي حماية

    أستاذ ورئيس قسم الدعوة والثقافة الإسلامية- كلية أصول الدين- أسيوط-  جمهورية مصر العربية.

    أ.د. يوسف القرضاوي

    رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ورئيس مجلس الإفتاء الأوربي- دبلن- أيرلندا- ومدير مركز بحوث السيرة والسنة بجامعة قطر.

    * * *


     

     

    مقدمـة

    1-التحركات الدولية لإقرار الاتفاقية:

    شهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين اهتمامًا متزايدًا بقضية (حقوق المرأة)، كما تصاعدت حركة واسعة النطاق تستهدف دفع الاهتمام بالقضايا المتعلقة بها على مستوى العالم، فكان المؤتمر العالمي الأول للمرأة عام 1975 بالمكسيك، كما أعلنت الأمم المتحدة سنة 1975 السَّنة العالمية للمرأة، ومع أهمية القضية أصبحت السنة عقدًا كاملاً للمرأة، ثم جاء مؤتمر الأمم المتحدة لإزالة جميع الفوارق بين الرجل والمرأة سنة 1979، ثم تبع ذلك المؤتمر الثاني للمرأة عام 1980 في كوبنهاجن، ثم المؤتمر الثالث في نيروبي عام 1985، تحت عنوان: (الاستراتيجية التطلعية في قضية المرأة)، وأخيرًا جاء المؤتمر الرابع للمرأة في بكين في سبتمبر 1995، إضافة إلى بعض المؤتمرات (الدولية) الخاصة بقضايا مختلفة لها صلة بالمرأة، مثل مؤتمر الطفل بنيويورك عام1990، ومؤتمر البيئة والتنمية في ريودي جانيرو عام 1992، ومؤتمر حقوق الإنسان بفيينا في 1993، والسكان والتنمية بالقاهرة عام 1994، ومؤتمر التنمية الاجتماعية بكوبنهاجن عام 1995، ومؤتمر إسطنبول للمستوطنات البشرية «habitat» 1996، ومؤتمر الإنسان والثقافة في استكهولم سنة 1998.

    وتسعى الأمم المتحدة من خلال تلك المؤتمرات إلى إرساء قواعد كونية تنظم وتحكم السلوك البشري (الأخلاقي والقانوني) في العالم كله، في كل مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وغيرها، ويبين ذلك طبيعة الموضوعات التي انعقدت من أجلها كل تلك المؤتمرات، من استهدافها لمظان التوجيه والسيطرة على السلوك الإنساني بصفته الفردية، أو في إطار الأسرة والمجتمع.

    2- مراحل إعداد الاتفاقية والغرض منها:

    يعود تاريخ العمل على وضع اتفاقية تحدد حقوق المرأة في الأمم المتحدة إلى بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، وذلك عبر عدة مراحل:

    - في عام 1952 أعدت مفوضية مركز المرأة بالأمم المتحدة معاهدة حقوق المرأة السياسية، والتي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة.

    - وفي عام 1967 أجازت الأمم المتحدة إعلانًا خاصًّا بالقضاء على التمييز ضد المرأة، دعا إلى تغيير المفاهيم، وإلغاء العادات السائدة التي تفرق بين الرجل والمرأة، مع زيادة مساحة الدور المُعطى للمنظمات غير الحكومية، حيث نص الإعلان على أن: المنظمات النسائية غير الحكومية هي القادرة على إحداث هذا التغيير، عن طريق تحدي الأعراف والقيم الدينية والثقافية السائدة.

    - وفي عام 1973 بدأت مفوضية حركة المرأة بالأمم المتحدة في إعداد معاهدة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وأكملت إعدادها في 1979.

    - وفي عام 1974 صدر الإعلان العالمي بشأن حماية النساء والأطفال في حالات الطوارئ والنـزاعات المسلحة.

    - وفي يوم 18 من ديسمبر عام 1979 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الاتفاقية باعتبارها إحدى الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، إذ تؤكد ديباجتها على أن: حقوق المرأة حقوق إنسانية Women Rights are Human Rights، كما تدعو الاتفاقية بصورة شاملة إلى المساواة المطلقة في الحقوق بين المرأة والرجل في جميع الميادين: السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والمدنية. وتعد الاتفاقية بعد المصادقة عليها مُلزمة قانونيًّا للدول بتنفيذ بنودها.

    وتعد الاتفاقية لذلك من أخطر الصكوك الدولية؛ فهي بمثابة قانون دولي تصبح بموجبه الدول الأطراف الموقعة عليها ملتزمة باتخاذ كافة التدابير للقضاء على أي فوارق بين الرجال والنساء، سواء على مستوى الحياة العامة فيما يتعلق بممارسة جميع الحقوق: المدنية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وفي التمتع بهذه الحقوق، أو على مستوى الحياة الخاصة، وعلى وجه الخصوص في الإطار الأسري.

    وتعتبر هذه الاتفاقية نتيجة لسياسات (وضع الأجندة) Agenda Setting، وهو مفهوم يلخص عملية تحديد الأولويات التي يتعين على مختلف بلدان العالم التفكير بها، والحوار حولها، وذلك من خلال انتقال الموضوعات ذات الاهتمام من قائمة أولويات الحضارة الغربية، إلى القائمة العامة لأولويات الشعوب (باختلاف ثقافاتها).

    وتتم عملية وضع الأجندة بعدة مراحل:

    - تبدأ بتكثيف اهتمام وسائل الإعلام، وتسليط الضوء عليها حتى يثور الاهتمام العام بها، فتصل إلى مصاف الاحتياجات الاجتماعية الدولية، وبالتالي يبدأ النقاش العام حولهاPublic Discussion في مختلف بلدان العالم، ضمن حوارات الأشخاص، أو أفراد الجمهور العام، وبذلك تبدأ المرحلة الأولى من مراحل تشكيل الرأي العام الدولي.

    - ثم تأتي المرحلة الثانية من مراحل صياغة قواعد كونية تحكم السلوك البشري والعالم كله في كل مجالات الحياة: الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، عبر المؤتمرات الدولية؛ للخروج بمواثيق واتفاقيات تكون ملزمة للبلدان التي تصدق عليها، ثم يتم الضغط الدولي على مستويين:

    ?    الضغط على الدول التي لم توقِّع عليها أصلاً؛ ليتم التوقيع والتصديق عليها.

    ?    الضغط على الدول التي وقَّعتْ ولها تحفظاتها على بعض البنود؛ لرفع تحفظاتها.

    وفي هذا الإطار يتم تدويل قضايا المرأة، عبر تسييسها واستخدامها كورقة ضغط على الأنظمة والدول التي تقاوم النمط الحضاري الغربي، سواء أكانت المقاومة على أسس دينية عقائدية، أو أخلاقية فلسفية، أو اجتماعية اقتصادية.

    - وفى يوم 3 من ديسمبر عام 1981 أصبحت الاتفاقية سارية المفعول بعد توقيع خمسين دولة عليها، طبقًا لأحكام المادة (27) التي تنص على مبدأ نفاذ الاتفاقية بعد شهر من تصديق أو انضمام الدولة رقم عشرين عليها، وكانت تونس هي الدولة العربية الوحيدة التي وقَّعَت على الاتفاقية قبل نفاذها.

    ومنذ خروج الاتفاقية إلى حيز التنفيذ على مدار سبعة وعشرين عامًا، تكون جميع الدول العربية قد صادقت على الاتفاقية، باستثناء السودان والصومال.

    وقد انضمت إلى عضوية الاتفاقية حتى عام 2000 إحدى عشرة دولة عربية، وإن تحفظت على بعض البنود([1])، وهي: الأردن- العراق- الكويت- ليبيا- المغرب- تونس- الجزائر- لبنان- مصر- اليمن- جزر القُمُر. ومن الدول الإسلامية التي صادقت على الاتفاقية: إندونيسيا- باكستان- بنجلاديش- تركيا- ماليزيا.

    ثم توالى انضمام بقية الدول العربية، حيث انضمت المملكة العربية السعودية عام (2000)، وموريتانيا (2001)، ثم البحرين (2002)، ثم سوريا والإمارات (2004)، ثم عُمان  (2006)، وأخيرًا قطر انضمت في (2009).

    وتعاني الحكومات المختلفة من ضغوط كثيرة من لجنة السيداو؛ لرفع تحفظاتها، وبدأ بعضها بالفعل في رفع تلك التحفظات.

    وينقسم البحث إلى عدة فصول:

    الفصل الأول: تقويم عام للاتفاقية.

    الفصل الثاني: تقييم تفصيلي للاتفاقية.

    الفصل الثالث: رؤية نقدية للبروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية سيداو.

    الفصل الرابع: ملاحق البحث.

    * * *

    الفصل الأول: تقويم عام لاتفاقية القضاء  على جميع أشكال التمييز ضد المرأة

    أ- إيجابيات الاتفاقية:

    يُحْمَد للاتفاقية النص على إجراءات وتدابير تحمي حقوق الإنسان، مثل:

    المادة (3) التي تعمل على كفالة تطور المرأة وتقدمها، وضمان ممارستها لحقوق الإنسان والحريات الأساسية.

    والمادة (5/أ) التي تهدف إلى تحقيق القضاء على التحيزات والعادات العرفية، وكل الممارسات الأخرى القائمة على فكرة دونية، أو تفوق أحد الجنسين.

    كما يُحمَد للاتفاقية النص في المادة (6) على: اتخاذ الدول جميع التدابير لمكافحة جميع أشكال الاتجار بالمرأة واستغلالها في الدعارة، فيُحمَد للاتفاقية هجومها على المتاجرة بالنساء، وتجارة الرقيق الأبيض، وإكراه الفتيات على البغاء.

    كما يُحمَد للاتفاقية في المادة (7) النص على: اتخاذ الدول جميع التدابير المناسبة لأنْ تمارس النساء حقوقهن السياسية: ترشيحًا، وانتخابًا، ومشاركة في صياغة السياسات الحكومية، وجميع المنظمات والجمعيات غير الحكومية.

    يُحمَد لهذه الاتفاقية أيضًا النص في المادة (10) على: ألا يحول دون حق المرأة في التعليم حائل مبني على التفرقة بسبب الجنس أو الدين.

    كما يُحمَد لهذه الاتفاقية أيضًا النص في المادة (11) على: العمل على تساوي حقوق النساء مع الرجال في استحقاق أجر متساوٍ لعمل متساوٍ، وكذلك الضمان الاجتماعي، والوقاية الصحية، وسلامة ظروف العمل.

    ب- وما قررته هذه المواد على النحو السابق يتفق وأحكام الشريعة الإسلامية في عطائها للمرأة تأصيلاً لحقوقها، وحماية لها:

    من منطلق رؤية كلية أعطى الإسلام النساء حقوقًا كاملة في أربع دوائر / مجالات:

    المجال الإنساني: فاعترف بإنسانيتها كاملة، لجعلها والرجل سواء بسواء ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [النساء: 1]، وقال النبى ﷺ: «النساء شقائق الرجال» [ رواه الترمذي].

    المجال الاجتماعي: ففتح لها باب العمل الاجتماعي من جميع جوانبه.

    المجال الاقتصادي والقانوني: حيث أعطاها الإسلام الأهلية الكاملة بما لها من قدرات عقلية ونفسية وجسدية تؤهلها لهذا.

    المجال الأسري: اعتنى الإسلام- أيما عناية- بالبنت قبل الزواج، فأوجب على الأب رعاية ابنته وحمايتها وتعليمها والإنفاق عليها إلى أن تتزوج، وأعطاها حق اختيار زوجها، واشترط موافقة الولي أو علمه عند زواجها لأول مرة؛ مساعدةً لها في التأكد من صلاحية الزوج، وقدرته على القيام بمسئولياته؛ لغلبة عاطفتها، وعدم تجربتها الزواج من قبل.

    وبعد الزواج أَوْلَى الإسلام عناية كبيرة بمؤسسة الأسرة باعتبارها الوحدة الأساسية للمجتمع، التي تحقق استقرار وتعاون أفراده، فوضع لها من الأحكام ما يكفل لها ذلك الاستقرار، ويحقق مقاصده، فجعل عقد الزواج عقدًا رضائيًّا لا يصح إلا برضاء المرأة الحر الكامل، واعتبر الأسرة شركة أو مؤسسة، ولذا لابد لها من رئيس أو قائد يتحمل مسئوليتها، وحمايتها، وتحقيق مصالحها، وقد كلَّف الإسلام الرجل بتلك المسئولية التي عرفت باسم (القوامة)، وهي مسئولية رعاية وحماية وكفالة تمارس في إطار من التراضي والتشاور، كما حمّله وحده مسئولية الإنفاق على الأسرة ولو كانت الزوجة غنية.

    وجعل فصم عُرَى رابطة تلك المؤسسة لكلا طرفيها على السواء، فإذا أنهى الرجل تلك العلاقة الزوجية سُمِّيَ ذلك طلاقًا، وتحمَّل تبعاته، وإذا قامت بإنهائها المرأة سُمِّيَ خلعًا، وأعادت لزوجها ما قد كانت أخذته منه من مهر للزواج، ولها أيضًا أن تنهي تلك العلاقة عن طريق طلب الطلاق أمام القاض للضرر، ويمكنها أيضًا إنهاؤها إذا اشترطت أن تكون العصمة بيدها عند عقد الزواج.

    وبالإضافة لكل هذا، وضع الإسلام عددًا من الخطوات الإصلاحية بين الزوجين إذا وصلا إلى حافة الطلاق، منها: الصلح، والتحكيم.

    أما الفلسفة العامة التي تحكم الحياة والسلوك الإنساني خاصة بين الرجل والمرأة، فقد قامت على المساواة في الحقوق  ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [من الآية 228، سورة البقرة]، «النساء شقائق الرجال»، فقد خُلِقا من نفس واحدة، لهما مهمات مشتركة كنفس إنسانية واحدة، ومع ذلك فلكل منهما مهمات مختلفة (كذكر وأنثى)، وهي تفرقة في الأدوار أو الوظيفة الموكَّلة لكل منهما؛ نتيجة اختلاف تكوين كل منها في طبيعة الخلقة بدنيًّا ونفسيًّا، وعواطف ومشاعر وقدرات مختلفة، وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ففي هذه الأمور ليس ثمة تماثل ولا تطابق بين الرجل والمرأة، وهو ما يحتم عقلاً ومنطقًا ومصلحة أن يكون لكل منهما وظيفة تلائم طبيعته، ولا تتنافر معها، وذلك حتى يكمل كل منهما الآخر داخل منظومة متعددة الوظائف، بدلاً من أن يكرر كل منهما الآخر، مما يخلق مجتمعًا أحادي الجانب خلافًا لمقتضى الفطرة، ويؤدي إلى تفكك وانهيار الأسرة ثم المجتمع.

    ج- سلبيات الاتفاقية:

    نقد الإطار العام: الفلسفة الكامنة، والمرجعية، والمفاهيم، والمصطلحات:

    1- رغم أن الاتفاقية نصت في المادة (17) على مراعاة مبدأ التوزيع الجغرافي العادل، وتمثيل مختلف الأشكال الحضارية، والنظم القانونية الرئيسية في العالم عند إنشاء لجنة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، ولكن عمليًّا لم يتم تنفيذ ذلك؛ لأن المادة لم تنص في إجراءات انتخاب أعضائها على آلية تحقق مراعاة هذه الاعتبارات، وهذا نقص في هذه المادة ينبغى استكماله، أو على الأقل التحفظ عليه من قِبَل تلك النظم القانونية والأشكال الحضارية في العالم، والتي لم تُمثَّل التمثيل الدقيق بما يراعي خصوصياتها.

    الأهم من ذلك هو التناقض القائم بين النص على مراعاة الخصوصيات الحضارية والثقافية والقانونية، والنصوص التفصيلية التي تكرس معايير نمطية يراد فرضها على جميع البشر من دون مراعاة هذه الخصوصيات، ولعل هذا هو العيب المحوري في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، حيث لم تفرق بين مستويين كان ينبغي التفرقة بينهما:

    - مستوى النص على المبادئ.

    - مستوى الوسائل التطبيقية / التفصيلية.

    وإذا كان المستوى الأول مناسبًا على مستوى العالمية، فإن المستوى الثاني متنوع بطبيعته وفقًا للخصوصيات الحضارية والثقافية والقانونية، وفرض نمط واحد من الوسائل والأفكار والسلوكيات على مستوى العالمية فيه إهدار لكل المبادئ المتعلقة باحترام التنوع الديني والثقافي، وسيادة الدول، وحق الشعب في تقرير المصير، والتي نصت عليها المواثيق الدولية، وفي مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة- وهو دستور المجتمع الدولي، والذي يعلو على كافة المعاهدات الأخرى- حيث نص في مادته (103) على أنه:

    (إذا تعارضت الالتزامات التي يرتبط بها أعضاء الأمم المتحدة وفقًا لأحكام هذا الميثاق مع أي التزام دولي آخر يرتبطون به، فالعبرة بالتزاماتهم المترتبة على هذا الميثاق).

    وميثاق الأمم المتحدة قد نص على احترام ثقافات الشعوب، كما نصت عليه العديد من الاتفاقيات الدولية، ومنها وثيقة القاهرة للسكان.

    «... وسوف يتطلب برنامج العمل إقامة أرضية مشتركة، مع الاحترام الكامل لمختلف الأديان والقيم الأخلاقية، والخلفيات الثقافية([2])».

    غير أن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة تغلب عليها نظرة واحدة للإنسان والكون والحياة، هي النظرة الغربية(*)، التي ليس للقيم الدينية أو الخصوصيات الحضارية مكان فيها.

    وهذا النقد ثبتت صحته عمليًّا في إطار الأمم المتحدة ووحداتها المتخصصة، ففي عام 1989 بدأ العقد العالمي للتنمية الثقافية، وفي نهاية العقد تبين أن فشل كثير من برامج الأمم المتحدة يعود إلى عدم مراعاة الخصوصيات الحضارية.

    أما بخصوص ما تطرحه الاتفاقية من حقوق وواجبات، فإنه يغلب عليها سيادة النظرة الغربية التي تحمل مضمونًا لمنظومة الحقوق والواجبات يختلف عن مضمون منظومة الحقوق والواجبات لدى كثير من حضارات العالم، ومن ثم فإن فرض الرؤية الغربية على الاتفاقية يشكك في مصداقيتها في التعبير عن الاحتياجات الحقيقية لكل نساء العالم.

    2- لعل أهم عناصر الفلسفة الكامنة خلف اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة CEDAW، هي نظرتها للإنسان باعتباره كائنًا ماديًّا يستمد قيمه وأفكاره من القوانين الطبيعية المادية، ويخضع لنفس الظروف المادية، وللحتميات الطبيعية دون غيرها.

    ومن ثم، فإن الحقوق الإنسانية للمرأة التي تتحدث عنها الاتفاقية هي حقوق لإنسان- عبارة عن امرأة، أية امرأة- يمثل كائنًا فرديًّا منعزلاً، أحاديّ البعد، غير اجتماعي، ولا علاقة له بأسرة أو مجتمع أو دولة، أو مرجعية تاريخية أو أخلاقية.

    وهذه الفلسفة في مجملها تمثل جوهر مفاهيم الحضارة الغربية، ونظرتها للإنسان والكون والحياة، وتصوراتها للخالق، ومساحات الثابت والمتغير في الحياة الإنسانية.

    3- أما أهم هذه المفاهيم الغربية الحاكمة على الإطلاق، والتي تمثل الفلسفة الكامنة لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة CEDAW، فهي:

    o   مفهوم القانون الطبيعي Natural Law: المرتبط بذاتية الإنسان من الناحية الطبيعية، بغض النظر عن فكره ومنهجه وعقيدته.

    والقانون الطبيعي ليس قانونًا بالمعنى الدقيق، ولكنه مجرد (افتراض) أن هناك قواعد عقلانية نظرية سابقة على وجود الجماعة البشرية، وأنها تحتوي على (حقوق طبيعية) للإنسان، تولد معه، وتظل لصيقة به، في الوقت الذي لا تفرض فيه على الفرد أية واجبات مقابل تمتعه بهذه الحقوق، وممارسته لها.

    لذلك يكون الإنسان في هذا التصور الكلي مُشَرِّعَ نفْسِه، وهو الذي يحدد حَقَّه، رافضًا أن يكون شَرعُه مُنَـزَّلاً من السماء، أو مستمدًا من الطبيعة الاجتماعية، أو البيولوجية الحسية.

    o   والمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة إلى درجة التماثل أو التطابق التام تشمل جميع مناحي الحياة كحل أوحد وأساس، تقوم على رفض حقيقة وجود تمايز في الخصائص والوظائف بين الرجل والمرأة.

    o   والفردية: بمعنى النظر للمرأة كفرد، وليس كعضو في أسرة، ذلك أن الحضارة الأوربية تقوم على الفرد والفردية، وهذا ما يتعارض مع نظرية الإسلام الذي وإن اعترف للمرأة بما توجبه إنسانيتها من حقوق، فإنه لا يقوم- أصلاً- على نظرية الغاية الفردية، وله نظرة وسطية متوازنة بين الفردية والجماعية، ويحترم الفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها، وتظهر في مجال المرأة باعتبارها إنسانًا وأنثى، وأنها والرجل صِنوان في الحقوق الإنسانية العامة، وفي خطاب التكليف، وفي الثواب والعقاب، ووضَع قيمًا وضوابط وآدابًا لتنظيم العلاقة بينهما وضبطها.

    o   وحتمية الصراع وديمومته لتنال المرأة حقوقها: فالخطاب (الأنثوي (Feminism هو خطاب يؤدي إلى تفكيك الأسرة، ويعلن حتمية الصراع بين الذكر والأنثى، وهو خطاب يهدف إلى توليد القلق والضيق والملل  بين الزوجين، ويقوم على أن المرأة لا يمكن أن تحقق هويتها إلا خارج إطار الأسرة.

    4- بالنسبة للمادتين (2) و(16)، فإن البيان الذي أصدرته لجنة الاتفاقية بالأمم المتحدة، بمناسبة الذكرى الخمسين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بتاريخ يوليو عام 1997، لا يجيز التحفظ على هاتين المادتين، إذ نص على ما يلي:

    (تعتبر اللجنة المادتين (2) و(16) جوهر الاتفاقية، ولا يجوز التحفظ عليهما بموجب المادة (28، فقرة 2) من الاتفاقية، التي تحظر التحفظ الذي ينافي موضوع الاتفاقية وغرضها، كما أن التحفظ عليهما يعتبر أيضًا منافيًا لأحكام القانون الدولي العام، وأن تعارض المواد (2) و(16) مع الممارسات التقليدية، أو الدينية، أو الثقافية لا يمكن أن يبرر انتهاك الاتفاقية، وأن التحفظ على المادة (16)- الخاصة بالأسرة- سواء أكان لأسباب قومية أو تقليدية أو دينية، فإنه يعتبر منافيًا لموضوع الاتفاقية وغرضها، وبالتالي لابد من سحبه).

    إلا أن ذلك يتناقض تناقضًا تامًّا مع ما جاء في كتاب: (التمييز ضد المرأة- الاتفاقية واللجنة)، الصادر عن الأمم المتحدة، عند الحديث عن المادة (28، فقرة 2) الخاصة بالتحفظ على الاتفاقية: إن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة تجيز للدول الأطراف أن تبدي تحفظًا- أي إعلانًا رسميًّا - بشأن أنها لا تقبل أن يكون جزء معين، أو أن تكون أجزاء معينة من المعاهدة مُلزمة لها.

    وليس لدى اللجنة سلطة تقرير ما إذا كانت التحفظات متنافية أو غير متنافية مع مقصد الاتفاقية وموضوعها، فمسألة التنافي يمكن أن تجيب عليها محكمة العدل الدولية، ولكن لم تطلب أية دولة- حتى الآن- رأيًا استشاريًّا من هذه المحكمة حول ما جاء في البيان المذكور من رفض التحفظات.

    6- وكما تفرض الاتفاقية رؤية واحدة، ومنهجًا واحدًا في الحياة، تفرض أيضًا مصطلحات ومفاهيم لا يمكن إدراكها إلا في سياقاتها الغربية، ومن ذلك مفهوم الأدوار النمطية، بمعنى القضاء على دور الأم المتفرغة لرعاية أطفالها، ودور الأب في الأسرة، وقد ألحقنا بيانًا بمصطلحات الاتفاقية في آخر هذه الدراسة.

    7- ومن ثم، فإن نقد الإطار العام للاتفاقية يعني رفض ثلاثة أشياء:

    - الفلسفة الغربية الكامنة خلف الاتفاقية، والرؤية العامة للإنسان والكون التي تحملها الاتفاقية.

    - المنهج الواحد في الحياة الذى تُروّج له، بل وتلزم به مختلف الأمم والشعوب.

    - المفاهيم والمصطلحات المستخدمة في سياقاتها.

    * * *

     

    الفصل الثاني: تقييم تفصيلي لاتفاقية القضاء على جميع أشكـال التمييز ضـد المرأة

    المادة (1)

    هذه المادة عرَّفَتْ التمييز على أنه: (أية تفرقة أو استبعاد أو تقييد(*) يتم على أساس الجنس، ويكون من آثاره أو أغراضه النيل من الاعتراف للمرأة- على أساس تساوي الرجل والمرأة - بحقوق الإنسان، والحريات الأساسية في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية، أو في أي ميدان آخر، أو إبطال الاعتراف للمرأة بهذه الحقوق، أو تمتعها بها، وممارستها لها، بغض النظر عن حالتها الزوجية).

    والملاحظات الأساسية على هذه المادة هي:

    1- أن التمييز مصطلح قانوني له تداعياته وآثاره الاجتماعية، وإن كانت لفظةDiscrimination  تعبِّر عن الظلم والإجحاف أكثر مما تعبر عن التفرقة والاختلاف، وليست كل تفرقة ظلمًا؛ بل إن العدل- كل العدل- يكون في التفرقة بين المختلفين، كما أن الظلم- كل الظلم- في المساواة بينهما، والتفرقة بين المتماثلين، فالمساواة ليست بعدل إذا قضت بمساواة الناس في الحقوق رغم تفاوت واجباتهم وكفاياتهم وأعمالهم، فليس من العدل والإنصاف، أو المصلحة، أن يتساوى الرجال والنساء في جميع الاعتبارات، مع التفاوت في الخصائص التي تناط بها الحقوق والواجبات.

    2- يبدو من ظاهر نص المادة أنها تهدف إلى المساواة، غير أن التمعن في الفلسفة الكامنة والخلفيات لها، تكشف أنها لا تهدف إلى مجرد المساواة، وإنما إلى التماثل التام أو التطابق ولو في حالة اختلاف الخصائص والقدرات، وهو عين الظلم وليس المساواة.

    فهذه المادة تنص على التماثل والتطابق التام بين الرجل والمرأة، وهي مخالفة لحقائق كونية وشرعية في آنٍ واحد، فالله لم يخلق فردًا واحدًا مكررًا من نسختين، بل خلق زوجين: ذكرًا وأنثى، وهي حقيقة كونية كذلك ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: 49]. ومن ثم، فإن دعوات وحدة الجنس unisex، أو تعدده بأكثر من اثنين لوجود جنس ثالث هو النوع الاجتماعي social Gender، هي دعوات مصادمة لنواميس الفطرة والخلق وطبائع الاجتماع.

    المادة (2)

    هذه المادة تصف آلية عمل الاتفاقية:

    (تشجب الدول الأطراف جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وتوافق على أن تنتهج، بكل الوسائل المناسبة ودون إبطاء، سياسة القضاء على التمييز ضد المرأة، وتحقيقًا لذلك تتعهد بالقيام بما يلي:

    أ) تجسيد مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في دساتيرها الوطنية، أو تشريعاتها المناسبة الأخرى، إذا لم يكن هذا المبدأ قد أُدمِجَ فيها حتى الآن، وكفالة التحقيق العملي لهذا المبدأ من خلال القانون والوسائل المناسبة الأخرى.

    ب) اتخاذ المناسب من التدابير التشريعية وغيرها، بما في ذلك ما يقتضيه الأمر من جزاءات؛ لحظر كل تمييز ضد المرأة.

    ج) إقرار الحماية القانونية لحقوق المرأة على قدم المساواة مع الرجل، وضمان الحماية الفعالة للمرأة- عن طريق المحاكم الوطنية ذات الاختصاص، والمؤسسات العامة الأخرى- من أي عمل تمييزي.

    د) الامتناع عن الاضطلاع بأي عمل أو ممارسة تمييزية ضد المرأة، وكفالة تصرف السلطات والمؤسسات العامة بما يتفق وهذا الالتزام.

    هـ) اتخاذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة من جانب أي شخص، أو منظمة، أو مؤسسة.

    و) اتخاذ جميع التدابير المناسبة، بما في ذلك التشريع، لتعديل أو إلغاء القوانين والأنظمة والأعراف والممارسات القائمة التي تشكل تمييزًا ضد المرأة.

    ز) إلغاء جميع أحكام قوانين العقوبات الوطنية التي تشكل تمييزًا ضد المرأة.

    والملاحظات الأساسية على هذه المادة هي:

    أ- ملاحظات عامة: وصف آلية عمل الاتفاق

     
     

     متقدم

    من نحن

    اتصل بنا

    الصفحة الرئيسية

    مؤتمرات

    ميثاق الطفل

    ميثاق الأسرة

    الرؤى النقدية

    أبحـــاث

    الائتلاف

    أخبار اللجنه

    بيانات اللجنة

    إصداراتنا

    الرؤى الإسلامية

    اللجنة في الإعلام

    صوت وصورة

    حوارات ومقالات

    قـرأت لك

     

    اتصل بنا  |  من نحن   |  الرئيسية  |  اتفاقية الاستخدام  |  سجل الزوار
    جميع الحقوق محفوظة للجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل © 1999 -  2012

    للحصول على أفضل عرض استخدم Internet explorer

    اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل